قصة أول جريمة قتل في الأرض

 

قصة أول جريمة قتل في الأرض

بعد أن هبط آدم الى الأرض في مهمة الاستخلاف البشري، حدث شجار بين بني آدم  هابيل وقابيل وهما شقيقان، نزغ الشيطان بينهما، فقتل أحدهما الآخر، فكانت أول جريمة قتل في الأرض، خلدها القرآن الكريم، وسرد قصتها.

كيف قص القرآن جريمة القتل هذه؟ وما فحواها كما ذكرها المفسرون؟ وما دلائل هذه القصة.

 

القرآن يقص جريمة أول قتل في الأرض

قال تعالى: “وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32).  [سورة المائدة(5): الآيات 27 إلى 32].

 

كيف قتل قابيل هابيل

شرع الله لآدم عليه السلام أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، فكان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فيزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة، وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك، إلا بتقريب قربان، فمن تقبل منه فهي له، فتقبل من هابيل، ولم يتقبل من قابيل.

اتل عليهم حين قربا قربانا، فتقبل اللّه من هابيل قربانه وهو الكبش السمين لتقواه وإخلاصه، ولم يتقبل من قابيل قربانه وهو زرع قليل من سنبل القمح، لقلة التقوى والإخلاص. وكيف كان القبول؟

روي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما أن أحدهما كان صاحب حرث وزرع، فقرّب شرّ ما عنده وأردأه، غير طيبة به نفسه، وكان الآخر صاحب غنم، وقرّب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها، طيبة به نفسه. وذكر بعضهم أن القربان المقبول كانت تجيء النار من السماء لتأكله، ولا تأكل غير المقبول.

فصعد الأخوان مع أبيهم آدم الجبل، فوضعا قربانهما، ثم جلس الثلاثة، وهم ينظرون إلى القربان، فبعث اللّه نارا، حتى إذا كانت فوقهما، دنا منها عنق، فاحتمل قربان هابيل، وترك قربان قابيل. فقال قابيل: يا هابيل، تُقبّل قربانك، ورُدّ علي قرباني، لأقتلنك، فقال هابيل: قربت أطيب مالي، وقربت أنت أخبث مالك، وإن اللّه لا يقبل إلا الطيب، إنما يتقبل اللّه من المتقين، أي الذين يخافون عقاب اللّه باجتناب الشرك وسائر المعاصي كالرياء والشح واتباع الأهواء.

فلما قالها غضب قابيل، فرفع الحديدة وضربه بها، فقال: ويلك يا قابيل، أين أنت من اللّه، كيف يجزيك بعملك؟ فقتله وطرحه في حفرة من الأرض، وحثا عليه التراب.

وقال هابيل الرجل الصالح: إن مددت إلي يدك لتقتلني، لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنت وأنا سواء في الخطيئة، ثم بيّن علة امتناعه عن القتل: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ أي إني أخشى عقاب اللّه وعذابه من أن أصنع كما تريد أن تصنع، بل أصبر وأحتسب لأن الاعتداء على الأرواح من أكبر الجرائم.

ثم تابع هابيل المقتول عظته البالغة المؤثرة المذكرة بعذاب الآخرة، لعلها تمنع أخاه من قتله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ،  أي إني أريد بالابتعاد عن مقابلة الجريمة بمثلها أن تتحمل إثمي وإثمك، وتلتزم بإثم قتلك إياي، وإثمك الذي كان منك قبل قتلي، وهذا رأي أكثر العلماء. وحينئذ تكون بما حملت من الإثمين من أهل النار في الآخرة، والنار جزاء كل ظالم، قال صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه أحمد وأبو داود وابن حبان عن أبي موسى الأشعري: «كن كخيري ابني آدم».

يتبين من هذا أنه نفّره وحذره من القتل بثلاث مواعظ: الخوف من اللّه، تحمل الإثمين: إثم القتل وإثم نفسه، كونه من أصحاب النار ومن الظالمين.

ثم أخبر تعالى أن هذه المواعظ كلها لم ينزجر بها، فحسّنت وسولت له نفسه وشجعته على قتل أخيه، فقتله، فأصبح من جملة الذين خسروا أنفسهم من الدنيا والآخرة، وأي خسارة أعظم من جريمة القتل هذه؟! ثم حار القاتل وضاقت به الدنيا ولم يدر كيف يفعل بجثة أخيه، فاستفاد من تجربة غيره وهو الغراب، مما دل على جهله وسذاجته وقلة معرفته.

فبعث اللّه غرابين أخوين، فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له حفرة، ثم حثا عليه التراب، فلما رآه قال: وا فضيحتي، وهذا اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب، أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب؟! أي هل بلغ عجزي وضعفي وقلة معرفتي أن كنت دون الغراب علما وتصرفا؟ فدفن أخاه، ووارى جثته، وأصبح نادما على ما فعل، وهذا شأن كل مخطئ، يرتكب المعصية، ثم يندم عليها.

إلا أنه لم تقبل توبته، بالرغم من المبدأ المعروف فية قوله صلّى اللّه عليه وسلّم، كما روى البخاري وأحمد: «الندم توبة»، لأنه لم يندم ولم يتب من المعصية، وإنما كان ندمه على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه بسببه أبواه وإخوته ، لذا كان من الذين سنوا سنة سيئة، عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة، روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي اللّه عنه: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل- نصيب- من دمها لأنه أول من سنّ القتل».

 

فوائد من قصة قتل قابيل لهابيل

  •  أورد اللّه تعالى هذه القصة لبيان تأثير الحسد والحقد وحب الذات، وأن ذلك يؤدي إلى المخاطر والمهالك والقبائح، فقضى على رابطة الأخوة التي تجمع بين الأخوين، وأدى إلى سفك الدماء.
  • تحريم قتل النفس البشرية الا بالحق، قال تعالى:”  مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ”. المائدة (32)
  • أن ينفق الانسان من افضل ماله حتى يتقبل الله منه كما فعل هابيل، إنما يتقبل الله من المتقين ، قال تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران 3/ 92] و قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه مسلم: «إن اللّه تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا».

المصادر

البداية والنهاية ، ابن كثير التفسير المنير، وهبة الزحيلي.

شاهد أيضاً

قصة المثل : رمتني بدائها وانسلت

يتداول الناس هذا المثل” رمتني بدائها وانسلت ” فما قصة هذا المثل؟ ومتى يُستعمل في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Don`t copy text!